تدبرات حديثة في سورة يوسف

[11]
(نحن نقص عليك أحسن القصص).. 
#مقام_الختم_اليوسفي..

[وكذلك كِدنا ليوسف ]..
مقام الكيد
1-[كيد الحق]...

فالسورة تحكي عن صفة أخلاقية وعمل يحمل وجهين إما حق وإما باطل وهذه الصفه هي [الكيد] وهي من وجهها  الحق لله عزوجل ،والتي تدل على العقل والتدبير والوعي والإرادة،وبها يبطل الله كيد الكائدين {إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا}كجزاء على كيدهم ،وبهذه الصفة يدبر الله الكون وتوازنه ،ويحفظ  أمر الخلائق وأقدارهم ..
[إن ربي لطيف لما يشاء ] وأيضا [وهو اللطيف الخبير] فاللطف مرتبط بالخبرة والعلم والمنطق والحيل المنطقية، فهو إستخدام العقل بدلا من القوة والجبروت ..

في العصر اليوسفي ،وفي عصر دولة العزيز في مصر ،إمتاز هذا العصر ببزوغ شمس العقل والمنطق ومنه الحيل والكيد ،وسادت هذه الصفة في ابناء يعقوب وهم بنو إسرائيل ،ولاتزال صفة المكر والحيلة كصفة ملازمة لهم الى يومنا هذا..
فليس هناك أمكر منهم ،فهم أهل مكر وحيلة وتحايل ،وقد قص القرآن في كثير من الأيات عن تحايلهم على أوامر خالقهم وعلى هدي انبيائهم..

 فالكيد يمثل صفة أخلاقية وهي دائما ما تلازم مقام الضعف او اللطف ،فهي لله من حيث أن إسمه وصفته {اللطيف } ..واللطف هو القوة الخفية التي لايشعر بها العالم الكثيف وتخرق قوانينه ومنطقة واحكامة العقلية،فتظهر له نتائج لم يكن يحتسبها وتفوق نتائج القوة والجهد ، (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا)..فهذه القوة اللطيفه حاكمة لعالم الكثافة والشهود من حيث لايشعر او يرى هذه القوة...
والكيد أيضا  صفة تلازم الخلق من حيث الضُعف ،ولهذا ابدع فيه ويبدع الجنس اللطيف وهو النساء {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم }..
ودائما ما يكون الكيد في أعلى صوره ومقاماته  في المجتمعات العلمية المتحضرة والمدنية كما هو في عصرنا الحديث...

فالكيد في سورة يوسف ظهر بثلاثة مقامات:-
-الأول كيد الأخوة وتسيره قوة لطيفه هي كيد الشيطان[من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي]
-والثاني كيد النساء [إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم].
 -والثالث كيد يوسف وتسيره قوة لطيفة هي كيد الله ولطفه[كذلك كدنا ليوسف]..

فأول كيد هو كيد الحق عزوجل ،ويظهر في معية الله للجمال اليوسفي واللطف ونقاء  النية والمقصد الذي تحمله هذه الشخصية الكريمة،،

فقصة يوسف تتغلغل في ثناياها صور لحفظ يوسف من عقبات الكيد التي تعرض لها في جميع مراحل حياته بصورة لطيفه لا يدركها احد ولا تخطر على بال أحد ،
فكل الأحداث الكيدية التي خُططت للنيل من يوسف الصديق ولقطع طريقه وحرفه عن هدفه ،كانت من حيث لايشعر الكائدون هي الطريق لوصوله الى قمة المجد والنصر وتحقيق رؤاه واحلامه ..
فالله اللطيف الخبير هو القوة والنور الذي رافق يوسف الصديق في كل أحداث حياته ،ومنذ ان كان طفلا الى ان حقق هدفه ورسالته في الحياة ،
ففي لحظات تطلعه للحياة وتساؤله عن غاية وجوده يبشره الله برؤيا تخبره أنه معد لهدف عظيم ،وهدف سامي في الحياة ،
وفي لحظاته العصيبه في ظلمات الجب ،يؤانسه الحق ويثبته [لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لايشعرون]،فيعلم يوسف الصديق انه مازال أمامه متسع للحياة ورحلة نحو الغاية،فيرى كيد إخوته مجرد عقبة سينجوا منها لامحالة،لإن الحق قد بشره والحق لايخلف الميعاد،
وما إن ينجوا من كيد حتى يقع في آخر دون إرادة منه،وكأنه وقع في منزلق لاعودة فيه للوراء او إختيار فيه،
وهكذا كان بني اسرائيل محكومين بقوة قاهرة هي تجلي للأسم الواحد القهار والذي رأه يوسف في تصاريف حياته ومجتمعه وأصبح  يدعوا اليه [ياصاحبي السجن ءارباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار].
وهو كذلك ما عبر عنه قوم بني  إسرائيل لموسى عن هذا القهر [ماأخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم] اي ما اخلفنا موعدك بإرادتنا .
فكان أنبياء بني اسرائيل وصالحيهم يتجلى في حياتهم وواقعهم قهر الله وسلطانه دون إرادتهم..ففي عصر يوسف الصديق تجلى قهر الله بصفة اللطف وإسمه اللطيف لإن يوسف وعصره كان رمزا للجمال ،وفي عهد موسى عليه السلام تجلى قهر الله بصفة القوة وبإسمه القوي لأن موسى وعصره رمزا للجلال ،فاللطف له ثأثيرا يوازي القوة، والكون محكوم إما بالقوة أو بالعلم وكلاهما وجهان لقدرة واحدة .

يتنقل يوسف الصديق في منازل الكيد والمكر رغم ضعفه ووحدته ، إلا انه يحيط به نورا لطيف يحفظه ويرعاه مخاطبا الكائدين
 [كذلك مكنا ليوسف]..
[ولنعلمه من تأويل الاحاديث]
[فأستجاب له ربه]
[فصرف عنه كيدهن]
[ٱنه من عبادنا المخلصين]
[كذلك نجزي المحسنين]
[نرفع درجات من نشاء]
[كذلك كدنا ليوسف]
 يتجلى معه اللطيف في كل المواقف وفي كل لحظات الحياة ومواقفها،بصورة لايدركها ولايشعر بها احد ..

أعظم المكر الذي بيد [اللطيف الخبير] هو تقليبه للقلوب،فالقلب هو الطف محل في الإنسان ،وهو محل الوعي والأمر والخواطر والهمم والنوايا،فإذا أراد الحق المكر بأحد من الماكرين أخذ عليه قلبه وناصيته وصرفه حيث يريد ،فيجعله يرى الحق باطلا والباطل حقاوهنا يكون الخطر [إنه لايأمن مكر الله الا القوم الخاسرون]..
 -ولأجل إمتلاك الله هذه القدرة طلب يوسف من ربه صرف كيد النسوة عنه[وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن واكن من الجاهلين] والنتيجة
[فأستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ]..

-قصة يوسف الصديق درس لكل محزون تخبره أن الأقدار بيد الله ،وأن الحياة ليست على ظاهرها ،فما يراه الإنسان بلاء او مصيبه هو في الحقيقة تمكين له ورحمة،لان الله هو [خير الماكرين] أمام مكر الناس ،
فكم رفع الله من ضعيف مضطهد صادق النية فجعله سيد قومة بعد أن كان أضعفهم وارذلهم ،وفتح له باب من حيث لايحتسب كائدوه ، 
وكم من طائفة مضطهدة لها رؤية حق عانت في سبيل هدفها وحلمها ،فمكنها الله من حيث لايحتسب الكائدين،وكان تمكينها بأيديهم وأفعالهم ،،فمكر الله ولطفه مقام فيه الرهبة والجلال؛لإن الإنسان يتردى في هذا المكر دون أن يشعر  [سنستدرجهم من حيث لايعلمون] ،ولايجد الممكور نفسة الا في مقام[وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون،وبدا لهم سيئات مامكروا]وهو معنى ما قصه الله في نهاية سورة يوسف عن إخوته ،حين وجدوا أنفسهم أمام من أرادوا التخلص منه مباشرة وتحت يده ورحمته وقراره،فصاحوا في دهشة ممزوجة بالتعجب والخوف والرهبة والمرارة والخجل [ءأنك لأنت يوسف]!!!![قال انا يوسف ] ،فهذا مخلوق أمام مخلوق ،فكيف إن كان موقف مخلوق أمام مصدر الرحمة والإنعام والإحسان،وقد شبه الله الكافر في الآخرة بهذا الموقف العصيب [كسراب بقيعة يحسبه الظمأن ماء ] حتى اذا جاءه لم يجده شيئا{ووجد الله عنده فوفاه حسابه}... 

يتبع⬅️
✍️:#Abrimhomeidi
عبدالرحيم الحميدي

تعليقات