تدبرات حديثة في سورة يوسف الصديق

 [15]
(نحن نقص عليك أحسن القصص).. 
#مقام_الختم_اليوسفي..

[التوجيه المنظم للوعي والطاقة]....

تحكي سورة يوسف الصديق عن قانون أساسي للوجود يظهر في ثنايا القصة ،وفي الحركة التفاعليه والتعامليه بين الخلق وبين القدارات والقوى التي يتفاعل معها على مستوى النفس والمحيط والمجتمع ،وهذا القانون هو التوجيه للهمم والإرادات والوعي  التي هي بمثابة صور وتجليات للقدرة والطاقة، ومن ثم إستغلالها في المنافع وفي البناء والتنمية بصورة منظمة ،فالتوجيه المنظم يمنع هذه الطاقة المتولدة من الضياع ومن إهدارها وفقدانها دون أي نفع وكذلك يمنع  صرفها بعشوائيه لاتعطي النتائج والثمار المرجوة ،فمن صفات الطاقة والقدرة أنها قد تستهلك دفعة واحدة ،أو تستغل في النفع لمدة أطول ولزمن أطول في حال تم ترشيدها وتوجيهها وتنظيمها بل في حال التنظيم والتوجيه يكون أثرها أطول واكثر ديمومة وربما تعطي ثمار متجددة ومستمرة..
اما حينما تعمل هذه القدرات والطاقة بصورة عشوائية غير موجهه ومنظمة تكون قليلة النفع والفائدة والثمرة ،ويكون البذل والإنفاق  فيها أعظم من النتائج المرجوة فيسمى بهذه الصورة عبث وإسراف وتبذير ،وهي صفة الطاقة الشيطانية العبثية الهدامة [إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا]..
-خلق الله الإنسان من قلب يمثل منبع القدرة ومن عقل هو يوسف المتحكم بهذه القدرات  فالعقل هو الحاكم والمنظم لقدرات الإنسان ،ولا يكون الإنسان يوسفيا وسويا الا حين يجتمع قلبه وعقلة في التدبير [إجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم]...


-في الإنسان تتنوع صور القدرة والطاقة بوجوه كثيرة كتنوع الطاقة المادية في صورها مثل الحرارة والحركة  ،
لكن في الإنسان هي ألطف واخفى وهي طاقة روحانية تتنوع بصور عديده تسمى المشاعر التفاعلية  والأحاسيس والأفكار والنوايا والهمم والخواطر، والتي تسمى عند إرتباطها بالعقل والأحكام المنظمة والموجهه [الأخلاق ]،فكان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم اعظم طاقة وأعظم عقل موجه ومنظم لها فوصفه الله بقوله [وإنك لعلى خلق عظيم ]أي جامع ،فيما نال المقام اليوسفي صفات محدودة وغير شاملة ...
-محور القصة يدور حول حدث مركزي مهم 
 يفصل كيفية إدارة الطاقة الظاهرة والكثيفة والتي تتمثل بالأقوات والموارد والتي هي الأساس لحفظ الأجساد ونموها وإستمرار حياتها وهذا العلم يدخل تحت مسمى الاقتصاد وإدارة الموار،ويكون من خلال طاقة لطيفة هي العقل والفكر والمنطق والعلم ،

-أختار الله لهذه المهمة النبي يوسف الصديق لتميزه بالعلم والخبرة والحفظ، فقد كان شخصية دينية وإجتماعية وخبير إقتصادي له القدرة على إدارة الأزمات ومهارة في التخطيط والتنظيم،حيث  وصف نفسه بالعلم والحفظ[إجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ]،حفيظ على مصادر  الطاقة ومواردها،عليم بطرق إستغلالها وتقديرها ،فله القدرة على الحفظ وعدم صرف الأقوات بعشوائية أو التبذير بها ،و[عليم] يعرف كيف ينفقها،وكيف يقسم مقادير الكيل لكل محتاج على مقدار حاجته.
فيوسف الصديق وهبه الله العلم والخبرة والبصيرة والأمانة ،وهيأه لإدارة إقتصاد دولة مصر ،فكان هو الرجل الملهم والحكيم الخبير والسياسي البارع في إدارة مرحلة الأزمة وتجاوز أسباب المجاعة في ذلك الزمن ..
-تجلى [علم]يوسف الصديق من خلال نصحه  وتوجيهه لدولة العزيز في  إدخار نسبة إحتياطية من  الثمار في كل سنة من سنين الرخاء ،والتي تكفي لسبع سنين من القحط والجفاف وتغير الأحوال،.
ثم تجلى [حفظه]من  خلال توجيههم الى طرق حفظ القمح من الفساد والتلف لأقصى مدة ممكنه من خلال بناء الخزائن ،وعدم فصل البذور عن سنابلها لتبقى محمية ومحفوظة ،كون البذور لها غطاء في أسفلها الذي يتميز بالهشاشه وعدم الصلابة ،لهدف وجيه هو كي  تتشرب البذرة من خلاله الماء والرطوبة فتنموا سريعا باقل نسبة من الرطوبة ،وكذلك من هذه المنطقة تخترق الحشرات البذرة وتنفذ الى قلبها ،فكان هذا الغطاء للبذور هو بمثابة القميص الذي يحفظها من التلف ومن النموا في الأماكن الرطبة،على عكس يوسف الذي نزع عنه قميصه والقي في جب الأرض ،ثم بيع بثمن بخس ،ولكن عناية خالقة جعلته ينموا ويخرج زرعه وثمرته بإذن ربه وحفظه..

-من سياسة التدبير اليوسفي هو علمه أن العطاء بدون مقابل ،أو العطاء المجاني بدون مقابل يقلل من قيمة النعمة ويعرضها للإسراف والفقد السريع ،فكان العطاء مقابل بضاعة تبقى لدية ،ثم أعادها لهم بعد أن تم التنظيم وتجاوز الأزمة ،فجمع لأهل مصر فرحتين ،فرحة تجاوز الأزمة وفرحة استعادة بضاعتهم ومرهوناتهم ،،

-هذه القصة وتفاصيلها الدقيقة تخبرنا عن أسرار المجتمعات والدول الفقيرة والمنهارة..فلا توجد دولة منهارة وفقيرة الا لعدم وجود اليوسفيون من اهل السيرة الحسنة ومن أهل [إني حفيظ عليم ]و [إنك لدينا اليوم مكين أمين] واهل التدبير والتنظيم والإدخار المنظم وأهل الترشيد والتنظيم للموارد والطاقات،فالإقتصاد هو العمود الفقري لنهوض الدول وتطور الحضارات ،والخزائن هي قلب الدول وهى بطاريتها التي تمدها بالطاقة والحركة وتدفعها للنموا والنهوض والتطور .فلا توجد دولة فقيرة إلا لوجود الفساد في خزائنها وأقتصادها ،وكذلك لسوء التقدير والتدبير بسبب غياب العقل اليوسفي المكين الأمين..

-إن التدبير المنظم للطاقات والقدرات هو تجليات ربوبية الله عزوجل فهو العليم الحفيظ ،وهو الذي وهب يوسف الصديق صفات العلم والحفظ [نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ] فعلم التقدير والتنظيم والحفظ والميزان علم إلهي شريف ،يمتدح الله أهله بأنهم من أهل العلم والرفعة ،
فتدبير الله يكون في تقديره للأرزاق وإعطاء كل مخلوق مقدار معين وموزون بحيث  لايخل بتوازن المحيط،فهو من بيده خزائن كل شىء [وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم]،


⬅️⬅️يتبع...
✍️:#Abrimhomeidi
عبدالرحيم الحميدي

تعليقات